|
تأملات
كتبها
الأب يوسف جزراوي
حواجز واصنام....
المال
هو نعمة من الله لنا. أنه شي مهم في الحياة ، لكنه ليس
كل شي، ومتى ما تحول الى اله نعبده فهنا ستكون الطامة الكبرى.
في حياتك شي عظيم، اعظم من المال واعظم من البيت
والسيّارة والوظيفة واي شي تتصوره .... فلا تتعلق بما هو زائل .... ومتى
ما تعلقت به
لن تبحر بسفينة المسيح ولن تكون صيّادًا له، بل ستبقى حائرًا مترددًا على شاطى
الحياة معرضًا ذاتك للعواصف والرياح .... وستمضي حزينًا لانك لست حرًأ.
لنتأمل مليًا
بقصة الرجل الغَنيّ في (مرقس 10/17_31)الذي يمثل إنساننا في كل زمان ومكان،
سنرى أن هناك
حواجز قد وضعها في حياته تعيق تقدمه نحو نمّو حياة روحيّة مع الرب يسوع.
على
الرغم من نواياه الحسنة،اذ كان ملتزمًا بالشريعة حافظًا للوصايا
، ووجاهته
الاجتماعية وثروته المادية، وكان في نظر نفسه ونظر الناس مغمورًا ببركات الله
الذي أغدق عليه خيراته، لكنه في قرارة ذاته كان ينقصه سلام الرب والسعادة
الحقيقية....ويسأل يسوع كيفية الوصول للحياة الابدية. حدق
إليه يسوع بحب ليحدثه عازفًا على وتره الحساس " تنقصك حاجة واحدة....
اذهب بع كل ما
تملكه ، ووزع ثمنه على الفقراء .... وتعال اتبعني"(
مرقس 10/21). لكنه مضى حزينًا
لأنه كان متعلقًا بامواله وحواجزه....
لكن حزن يسوع كان أكبرعلى إنسان لم يعرف كيفية التخلي عن روح التعلق وظل
أسيرغناه .
نحن كأناس غالبًا ما نكون مكبلين بالكثير
من الحواجز والقيود التي تعيق تقدمنا نحو الرب يسوع. وكثير منّا
هم سجناء لما
يملكون، فهم مصابون بهوس المال .
لكل منّا حاجزه، فقد يكون هذا
الحاجز ( مهنة_ مادة _ علاقة معينة _ منصب ما _ انانية _ اموال وعقارات_
تعصب
اعمى) وليضف القارئ حاجزه أو الصنم الموجود في حياته.
هناك الكثير من الناس يصلّون ويصومون ويتصدّقون... لكنهم يعملون كل هذا من
باب
الواجب الديني ولا يمتلكون علاقة صحيحة مع المسيح، ويعوزهم نعمة الرب وفرحه!
إن
مالفت انتباهي في هذا اللقاء هو امران: الأول: نُظرة الحبّ " فحدق إليه
يسوع
واحبه".
حُبّ يسوع يسبق الدعوة والاختيار.... انه اختيار الحبّ.
الثاني: كلمات يسوع التي تُطالب الرجل الغَنيّ بافعال حازمة ( اذهب،
بع ،
وزع ، تعال اتبعني)
بمعنى ان تباعة يسوع والدخول في علاقة حبّ حقيقية معه، لن تتم
بدون تلك الافعال، وكأن في هذه الأفعال تكمن ضريبة التباعة...! كانت ردة
فعل هذا
الرجل ازاء دعوة يسوع ومبادرته، أن يمضي حزينًا! لانه كان ذو اموال كثيرة
بحسب ما جاء في الانجيل.
ونحن يختارنا يسوع بحبّ للذهاب. فإلى اين نذهب ياترى؟
نذهب لمراجعة ذواتنا وفحص ضميرنا
في وقفة تأمّل صادقة ، نلتقي من خلالها الرب يسوع لتنقلب حياتنا رأسا على عقب
كما حصل
مع زكا العشار.
بع:
مالذي نبيعه؟ لاسيما اؤلائك الذين لايملكون سوى رغيف الخبز!.
نبيع الاشياء التي نحن مكبلون بها ومتعلقون فيها اكثر من تعلقنا بالرب.
وزع:
مالذي نوزعه وربما كثيرون هم في حاجة لمن يعطيهم. بمعنى، اخرج من ذاتك
لتلتقي
بالرب يسوع في اخيك المحتاج والمريض والذي هو في ازمة مادية واجتماعية وروحية
.
افتح بصائرك للجياع والمتالمين والذين هم في عوز وضيق مادي وروحي وانساني ....
اخرج
من ذاتك وليكن الاخر هو محور رسالتك!
تعال اتبعني....
دعوة يسوع لابد من ان تمر
بتلك المراحل ، وكأنها كالنار التي تنقي الذهب. فالبون شاسع بين ان تكون مسيحيًا
وان
تكون تابعًا للمسيح ،عائشًا لرسالته رغم ضعفك ونقصك وعوزك
هَلاّ نُبحر
جميعنا إلى عمق ذواتنا وحياتنا لا بل الى عمق الانجيل لنكتشف الكنوز التي لا
تزول
ولا تفنى الى الابد .... فهي حاجتنا الاولى والاخيرة
.
الهنا مُصاب بفقدان الذاكرة
كتَب الفيلسوف كيركغارد: "تعلمت من الهي أن ما
من حبّ صادق بدون نسيان، وهذا هو الغفران"!
كم أن إله هذا
الفيلسوف يشبه الاله الذي كشفه لنا يسوع المسيح، اله ينسى ولا يتذكر خطايانا،
ولايعود للماضي لتقليب صفحات الماضي المؤلمة وما تحتويه من جراح الخطيئة، بل
الهنا قلبه
ابيض وليس نسيانه هو نسيان الشيخوخة والعجز وكبر السن، بل نسيان الحُبّ.
وهنا
نقلتني الذاكرة إلى مقولة استاذنا الراحل الأب روبير الكرملي
رحمه الله، في قاعات كُلّية بابل الحبرية: "ألهُنا مُصاب بمرض فقدان الذاكرة".
ياترى
أتعلمون لماذا؟ لانه مُغرم بنا ، فنراه يغض النظر وينسى ولايحمل في قلبه، بل
يختلق في
العادة اعذارًا لاخطائنا ..... ولايزال ينسى
....
ولا أجد في
الانجيل مثالاً اروع واعمق من المثل الذي قدمه لنا يسوع في إنجيل لوقا (15:11
-32). لكيما اقدمه لكم برؤيه ايمانية عميقه لنستجلي من هذا المثل كيف ان الله
ينسى بدافع
الحبّ.
كان لأب ابنان ، فطلب الاصغر أن يرحل بعيدًا
، ويريد ان يرث ابيه وهو على قيد الحياة ليستقل عنه! وليس على الاب الا ان
يحترم
حرية ولده ! وبعد بضعة ايام يجمع كل شيء له في بيت ابيه ليرحل بعيداً فيبدد
امواله
، ويضطره الجوع للعمل عند راعٍ للخنازير!!
الابن
الاصغر هو الذ
ييطلب الرحيل، وهو أيضًا الذي يبتعد ويضّل. الذنب ذنبه ومن الطبيعي ان يهمله
الاب ويحرص
على ولده الاكبر وعلى عائلته وما تبقى له من أملاك. لكنّه اب محب فنراه
يذهب لينتظر
عوده ولده الضّال على قارعة الطريق ، ولا يهدأ له بال إلا بعودته ! ويبقى
ينتظر
ويتأمل عوده فلذه كبده بلوعة قلب ، وما اصعب الانتظار وما اقساه! إن هذا
الانتظار
دليل على غفران الاب سبق عودة الابن!
ولما
راه من بعيد تحركت احشاؤه، فاسرع
إليه . في حساباتنا البشرية من المفروض أن يوبخه او يقاصصه ويُعيده إلى حيث ما
أتى،
لكنه يعانقه ويشدَّه إليه بقوة ويقبله بفرح ولا يكتفي بذلك ! بل يطلب له افخر
الثياب ويضع في يده خاتمًا ويذبح له العجل المسمن ، ويقيم له احتفالاً، ويردف
قائلاً:"
ابني هذا كان ميتًا فعاش وضالاً فوجد ". حقيقةً ما اروع ألهنا الذي جُلَّ
اهتمامه هو
الإنسان.
فالأب
لانه محبّ فهو لايهتم بكرامته بل يقوم ( برحلة حبّ ) خارج ذاته
ليدخل ذات ولده الضّال ، ويدرك ما في قلبه من الم وجروح. كما انه لايرى في
ولده الشخص(الجارح ) بل (المجروح) فيتاثر له ويعمل على تضميد جروح قلبه
بالحبّ
ليستقبله برحم رحمته ويجعله يولد من جديد.هذا
هو الوجه الحقيقي
لإلهنا الذي ينسى بقلب كبير
.
انه نسيان الحبّ!
الله ضعيف لانه يحبّ ، وهو كبير في حبه ومسامحته ونسيانه. ولكونه
حبًا، فهو لا ينتقم ولا يؤذي ولا يسحق البشر....
فلنتعلم من الهنا
ان ننسى بُحبّ .... وأن يكون الكتاب المُقدس نقطة انطلاقنا نحو
الآخَر
|